عاجل
طائرة قطر تهز واشنطن.. استدعاء 4 صحفيين من نيويورك تايمز للتحقيقسي إن إن: مقترح عُماني لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز عبر ممرين منفصليننجوى الألفي: تكريم الرئيس للمنتخب يؤسس لمرحلة جديدة في الرياضة المصريةملف استقصائي | بيزنس الساحرة المستديرة (2)قبل شراء الذهب.. شعبة الذهب تكشف كيفية احتساب المصنعيةوكيل لجنة الشباب بالنواب: تكريم الرئيس السيسي لبعثة منتخب مصر رسالة دعم لكل الرياضيينبعد تحريك العائد.. أعلى شهادات الادخار في البنوك المصرية بعد الزيادات الجديدةمدبولي: المنتخب وحد المصريين في المونديال والحكومة مستمرة في دعمهبعد إحالة 10 مسؤولين للنيابة.. محافظ سوهاج يشكل لجنة موسعة لفحص ملفات التصالحبشرى لأصحاب البطاقات الموقوفة.. التموين تكشف شرط عودة الدعمطائرة قطر تهز واشنطن.. استدعاء 4 صحفيين من نيويورك تايمز للتحقيقسي إن إن: مقترح عُماني لتنظيم الملاحة في مضيق هرمز عبر ممرين منفصليننجوى الألفي: تكريم الرئيس للمنتخب يؤسس لمرحلة جديدة في الرياضة المصريةملف استقصائي | بيزنس الساحرة المستديرة (2)قبل شراء الذهب.. شعبة الذهب تكشف كيفية احتساب المصنعيةوكيل لجنة الشباب بالنواب: تكريم الرئيس السيسي لبعثة منتخب مصر رسالة دعم لكل الرياضيينبعد تحريك العائد.. أعلى شهادات الادخار في البنوك المصرية بعد الزيادات الجديدةمدبولي: المنتخب وحد المصريين في المونديال والحكومة مستمرة في دعمهبعد إحالة 10 مسؤولين للنيابة.. محافظ سوهاج يشكل لجنة موسعة لفحص ملفات التصالحبشرى لأصحاب البطاقات الموقوفة.. التموين تكشف شرط عودة الدعم
schedule السبت 11 يوليو 2026 ٢٦ محرم ١٤٤٨ هـ
الخبر لايف

جليوستر… حين يصبح العمى طريقًا إلى البصيرة، ويمنح طارق دسوقي الشخصية روحًا جديدة

أخبار55 دقيقةvisibility4
schedule
يتناول المقال البعد الإنساني والفلسفي لشخصية «جليوستر» في مسرحية الملك لير، متوقفًا عند رحلة التحول من العمى إلى البصيرة، مع قراءة نقدية لأداء الفنان طارق دسوقي الذي قدّم الشخصية برؤية معاصرة حافظت على جوهرها الشكسبيري وأبرزت عمقها الإنساني.

في المسرح العظيم لا تُقاس الشخصيات بمقدار حضورها على الخشبة، وإنما بقدرتها على أن تظل تسكن الذاكرة بعد إسدال الستار. ومن بين الشخصيات التي كتبها شكسبير بمداد الحكمة والألم، تقف شخصية جليوستر في الملك لير شاهدة على أن الإنسان لا يرى الحقيقة بعينيه دائمًا، بل قد يراها بقلبه حين يفقد البصر. إنها شخصية تتجاوز حدود المسرح لتصبح تأملًا فلسفيًا في طبيعة المعرفة الإنسانية، وفي الثمن الذي يدفعه الإنسان حتى يصل إلى الحقيقة.

جليوستر ليس مجرد نبيل إنجليزي وقع ضحية مؤامرة دبرها ابنه غير الشرعي، وإنما هو صورة مكثفة للإنسان حين يخدعه الظاهر، ويعجز عن قراءة النفوس. لقد صدق الكاذب، وكذب الصادق، ومنح ثقته لمن لا يستحقها، فكانت الكارثة التي لم تقتصر على ضياع أسرته، بل امتدت إلى فقدان عينيه، وكأن شكسبير أراد أن يقول إن العين التي لا تبصر الحق وهي مفتوحة، قد لا تستحق أن تبقى. إنها مأساة الإنسان الذي يرى الوقائع، لكنه يعجز عن رؤية الحقائق.

وهنا تتجلى عبقرية شكسبير؛ فالعقوبة ليست انتقامًا، وإنما تحول وجودي. فمنذ لحظة اقتلاع عيني جليوستر يبدأ ميلاده الحقيقي. يفقد البصر، لكنه يكتسب الرؤية، ويخسر الطريق، لكنه يعثر على ذاته. إنها واحدة من أعمق المفارقات في الأدب العالمي؛ فالبصيرة لا تولد إلا عندما يسقط وهم اليقين، ولا تنضج الحكمة إلا بعدما يتحطم غرور المعرفة الزائفة.

جليوستر هو الوجه الآخر للملك لير. كلاهما أبٌ أخطأ في قراءة أبنائه، وكلاهما دفع ثمن غروره وثقته العمياء، وكلاهما لم يعرف قيمة الوفاء إلا بعد أن أصبح الأوان متأخرًا. لذلك تبدو القصتان وكأنهما مرآتان تعكسان المأساة نفسها بأسماء مختلفة، في إشارة إلى أن الخطأ الإنساني لا يميز بين ملك ونبيل، وأن السلطة لا تمنح صاحبها حكمة، كما أن المكانة لا تحميه من السقوط. إن شكسبير يعلن هنا أن الإنسان يظل إنسانًا، مهما علت منزلته، وأن أكبر هزائمه تبدأ من داخله لا من أعدائه.

وفي هذا العمل، لم يكن الفنان طارق دسوقي مجرد مؤدٍ لدور جليوستر، بل بدا وكأنه يعيد اكتشاف الشخصية من الداخل، ويعيد صياغتها بروح معاصرة دون أن يمس جوهرها الشكسبيري. لقد تجاوز حدود الأداء التقليدي، فلم يعتمد على الانفعال المرتفع أو المبالغة في التعبير، بل لجأ إلى مدرسة الأداء الهادئ الذي تتكلم فيه التفاصيل الصغيرة أكثر مما تتكلم الكلمات.

كانت ملامحه تتحول مع كل مشهد، حتى غدا الوجه نفسه نصًا موازيا للنص المكتوب. ففي بداية الرحلة رأينا النبيل الواثق من أحكامه، المؤمن بسلامة اختياراته، ثم أخذ هذا اليقين يتآكل تدريجيًا حتى تحولت النظرات الواثقة إلى نظرات حائرة، ثم إلى ملامح رجل تحطم عالمه كله، ولم يبق له سوى الاعتراف بخطئه. هذا الانتقال النفسي لم يكن قفزة مفاجئة، بل جاء في أداء شديد الدقة، يكشف عن ممثل يعي أن الشخصية العظيمة لا تُؤدَّى بالصوت المرتفع، وإنما ببناء داخلي متدرج يجعل المشاهد يعيش التحول لحظة بلحظة.

وكانت نبرات صوته تتغير مع تغير وعي الشخصية؛ من ثقة الواثق إلى انكسار المقهور، ثم إلى صفاء الحكيم الذي دفع ثمن المعرفة غاليًا. حتى الصمت الذي سبق بعض الجمل بدا أكثر بلاغة من الكلمات نفسها، وكأن الفنان يدرك أن شكسبير كتب بين السطور بقدر ما كتب فوقها.

ولعل أجمل ما في أدائه أنه لم يتعامل مع جليوستر بوصفه ضحية تستحق الشفقة، وإنما بوصفه إنسانًا يمر برحلة تطهير روحي. لذلك جاءت لحظات الانهيار بعيدة عن المبالغة، قريبة من الحقيقة الإنسانية التي تجعل المتلقي يشعر بأنه لا يشاهد ممثلًا يؤدي دورًا، بل يرى إنسانًا يتجرد أمامه من كل أوهامه، ويعترف بضعفه، ويولد من جديد عبر الألم.

لقد استطاع طارق دسوقي أن يلتقط المعنى الخفي الذي أراده شكسبير؛ وهو أن المأساة الحقيقية ليست فقدان العينين، وإنما فقدان القدرة على التمييز بين الإخلاص والخداع. ومن هنا جاء أداؤه محملًا بالتفاصيل الصغيرة؛ نظرة الوجه قبل العمى، وارتباك الحركة بعده، وطريقة مد اليد بحثًا عن العالم الذي اختفى، والهدوء الذي سبق لحظات الانكسار، حتى أصبح الجسد نفسه لغة موازية للنص، وصارت الحركة تشرح ما تعجز الكلمات عن قوله.

وما يميز هذا الأداء أيضًا أنه لم يحاول منافسة النص الشكسبيري، بل تحالف معه. لم يطغِ الممثل على الشخصية، ولم تختفِ الشخصية خلف الممثل، بل حدث ذلك التوازن النادر الذي يصبح فيه الفنان وسيطًا أمينًا بين عبقرية الكاتب ووجدان المتلقي. وهذه منزلة لا يبلغها إلا ممثل يمتلك ثقافة مسرحية عميقة، وقدرة على الإنصات للنص قبل محاولة فرض حضوره عليه.

لقد منح طارق دسوقي جليوستر بعدًا إنسانيًا يجعل المشاهد يرى نفسه في الشخصية. فكل إنسان قد يخطئ في الحكم على الناس، وكل إنسان قد ينخدع بالمظاهر، وكل إنسان قد يكتشف متأخرًا أن الحقيقة كانت أقرب إليه مما تصور. وهنا تكمن عظمة الأداء؛ إذ نجح في تحويل مأساة رجل إنجليزي من القرن السابع عشر إلى تجربة يعيشها جمهور اليوم بكل تفاصيلها.

إن شخصية جليوستر تذكرنا بأن الإنسان قد يقضي عمره يبحث عن الحقيقة في الخارج، بينما تكون كامنة في داخله. وأن كثيرًا من يقيننا ليس إلا وهمًا مؤقتًا، يهدمه اختبار واحد قاسٍ. وربما لهذا السبب بقيت هذه الشخصية حية بعد أكثر من أربعة قرون؛ لأنها لا تتحدث عن إنجلترا القديمة، بل عن الإنسان في كل زمان ومكان، وعن هشاشته حين يثق بما تراه العين أكثر مما يمليه الضمير.

ويبقى نجاح أي ممثل في شكسبير مرهونًا بقدرته على أن يجعل النص الكلاسيكي معاصرًا، وأن ينقل الفكرة من صفحات المسرحية إلى وجدان الجمهور. وهذا ما حققه طارق دسوقي بجدارة؛ إذ قدم جليوستر إنسانًا من لحم ودم، لا رمزًا جامدًا، فاستحقت الشخصية أن تُرى بعين جديدة، وأن يُقرأ شكسبير من خلالها قراءة أكثر قربًا من الإنسان.

لقد أثبت هذا الأداء أن الممثل الحقيقي لا يقف عند حدود حفظ النص أو إلقائه، وإنما يعيد خلق الشخصية من جديد، ويمنحها نبضًا يجعلها تعيش خارج زمنها. ولهذا لم يكن طارق دسوقي يروي مأساة جليوستر، بل كان يعيشها بكل ما فيها من انكسار وندم وتطهّر، حتى بدا وكأن الألم نفسه صار أداة من أدواته الفنية.

إن جليوستر يعلمنا أن العدالة قد تتأخر، وأن الحقيقة قد تُولد من رحم الألم، وأن البصيرة أغلى من البصر. ويؤكد أداء طارق دسوقي أن الممثل الكبير لا يردد كلمات الكاتب، بل يبعث فيها روحًا جديدة، ويمنحها حياة أخرى، حتى يصبح النص القديم تجربة إنسانية متجددة، ويغدو المسرح مكانًا نكتشف فيه أنفسنا قبل أن نكتشف أبطاله. ولعل هذا هو الانتصار الحقيقي للفنان؛ أن يغادر الجمهور القاعة وهو لا يتذكر براعة الأداء فحسب، بل يحمل معه سؤالًا وجوديًا يظل يطارده طويلًا: كم من مرة كنا مبصرين... ولم نكن نرى؟

شارك المقال

recommendمقالات ذات صلة